السيد محمد تقي المدرسي
190
العرفان الإسلامي (بين نظريات البشر وبصائر الوحي)
وهكذا المثلث لا يُطبق عليه القانون إلا بافتراض وجوده . وأساساً ، ليس العدم والمعدوم قابلًا للتصور ، اللهم إلا بقرينة الوجود كما الظلال فرع النور ، وكما الليل ليس سوى زمن انسلاخ النهار وهكذا . بلى ؛ قد نخلق في أذهاننا صوراً لأشياء عدمية ، مثل جبل من ذهب أو نهر من زئبق ، ومعرفتنا بها إنما هي بذلك الوجود الذي يخلقه الخيال البشري وهو موجود في حدود الخيال . ولعل الذين فرقوا بين الماهية والوجود ، أرادوا إقناعنا بأن ذاتية الأشياء هي العدم ، فالتفاحة لم تكن ثم كانت وهي بالتالي تفنى ، إذاً ماهية التفاحة عدم ، ووجودها طارئ ، أو بتعبير أفضل وجودها قائم بغيرها . وهذه حقيقة ، ولكن السؤال : أليس هذا الوجود الغيري القائم بالله هو ماهية الأشياء ؟ وهل نعني بذاتية العدم غير هذا ؟ خلاصة القول : ليس لدينا حتى الآن أية حجة على أن الوجود والماهية شيئان مختلفان ، إنما الحجة قائمة على أن وجود الأشياء وجود غيري قائم بالحي القيوم سبحانه وتعالى . ولذلك قال بعضهم : ( وقال جماعة من المتكلمين والحكماء : بزيادة الوجود على الماهية في الذهن ، لا في العين ، بل ولا في حاق الذهن ، بل بتحليل وتعمل من العقل ، فإن الكون في الذهن أيضاً وجود ذهني ، كما أن الكون في الخارج وجود خارجي ، لكن العقل من شأنه أن يلاحظها وحدها من غير ملاحظة شيء من الوجودين - الذهني والخارجي - بنحو عدم الاعتبار ، لا اعتبار العدم - فيلاحظ المثلث من دون اعتبار وجوده - وبعبارة أخرى بعد التعمل الشديد في تخلية الذهن عن مطلق الوجود ليست الماهية بالحمل الأولي الذاتي وجوداً وإن كانت بالحمل الشائع الصناعي وجوداً ) « 1 » .
--> ( 1 ) ( ) المصدر ، ص 5 .